محمد عبد الكريم عتوم
263
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
بإعطائهم ذمة الله ورسوله ، ولم يقل أعطوهم ذمتكم ، بل قال أعطوهم ذمة الله ورسوله وهي تعني الأمة ، فهذه ولاية الله وولاية النبي ( ص ) « 1 » . وقد أثرت التطورات التاريخية في أطراف العقد والعقد نفسه ، وأصبحنا الآن أمام واقع جديد حيث لم تعد الدولة الإسلامية قائمة حتى تقوم بإبرام العقد ، ومع مجيء الاستعمار ، ساهم أبناء الدولة الحديثة ، مسلمون ونصارى وطوائف أخرى في طرد المحتل الأجنبي ، ثم نشأت دول إسلامية حديثة ، أو كيانات جديدة أصبح لنا فيها حقوقٌ وبات علينا واجبات متساوية يحكمها مبدأ الأكثرية والأقلية ، وأصبح الجميع مواطنين ولم يعد هناك " أحد له ذمة عند أحد " « 2 » . ومن هذا المنطلق التجديدي يؤكد المفكر محمد الغزالي أن الإسلام ينظر في واقع الأمر " إلى من عاهدهم من اليهود والنصارى ، على أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين ، فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات « 3 » . ويرى الباحث أنه يوجد توافق عام لدى المفكرين المسلمين المعاصرين بقبول المواطنة ، وضرورة تجاوز الخطاب السياسي الإسلامي التقليدي ، والتسامي فوق التصنيفات والطبقات القديمة التي يشير إليها مصطلح الذمة . . . وقبول غير المسلمين كمواطنين لهم جميع الحقوق ، ولكن في نفس الوقت ، يوجد ضمن إطار هذا التوافق قراءات متمايزة حول العلاقة مع الأقليات الدينية ، حول الحقوق السياسية لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي ، وخاصة حقهم في تولي المناصب العليا للدولة ، فهناك اتجاه يرى أن مشاركة غير المسلمين في البرلمان ، أو حتى رئاسة دولة لا يمثل ضرراً لأن الدولة الحديثة ، وأمام التطور الديمقراطي الحاصل والبناء المؤسسي للدولة ، وفصل السلطات ، يجعل من كثير من المناصب العليا للدولة ، لا تحمل سلطة مطلقة ، فهي مقيدة بالقانون وتخضع لعملية توازن مع مؤسسات دستورية أخرى ، وبالتالي يجب أن تكون جميع المناصب في الدولة الإسلامية الحديثة مفتوحة أمام المواطنين المسلمين وغير المسلمين الذين يجب أن يحصلوا على كامل الحقوق ، فيما يبدي اتجاه آخر اعتراضاً ويرى أن المشاركة
--> ( 1 ) - العوا ، 1996 ، 96 . ( 2 ) - العوا ، نفسه ، 98 . ( 3 ) - نقلًا عن طارق البشري ، بين الإسلام والعروبة ، دار القلم للنشر والتوزيع ، الكويت ، ص 45 .